الهروب من الموت إلى الموت

 

-  قد كنت  أدمن الصمت  ، علَّ الموت كمداً يشفي الغليل ، لكني وككل الجبناء هنا – الراضون للهوان ويعز عليهم أن يفطموا منه – اقترف حماقة الكلمات  وأقدم جسدي المتورّم كتبرع عيني تافه لأحبابي هناك .

 

- وأعرف يقيناً – والله العظيم – أن الصورة الماثلة بأطيافها الدامية تكفي عن تنديدنا المخجل واستنكارنا الفاضح .

 

- بكل الخيانة .. بكل السلبية .. بكل التبعية .. 

بكل الذل والمسكنة واللاإرادة أعيش وأنا أعد أيام المجزرة .. المهلكة .. المهزلة .

 

المجزرة التي تحصد أبناء غزة ونساءها وأطفالها على مرأى من العالم بأسره .

المهلكة حين يتساقط المئات يومياً في مشهد مروع أسود الملامح .

المهزلة حين يشارك حكامنا العرب في الحصار والحرب بصمتهم الأذل .

 

- والتنديد العربي يقرأ القرآن بتأويل خاص : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من … ) .

من مظاهرات حاشدة  ، ودمىً محروقة ، وحناجر مبحوحة ، ولافتات بلهاء  واستنكارات هزيلة ، تستنزف حماس الشعوب ، وتبدّد طاقتهم اللاهبة .

والأبعدون يتبنون قضيتنا أكثر منّا  ..

والأقربون يقمعونها .. يفرّقونها .. يدفنونها .

 

- مايطلبه المهزومون .. 

اسمعني صوت أغنية الموسم  .. وفيلم السهرة .. وتصويتات الجمهور الملتهب ومنافسات بلادي على المستطيل الأخضر .

لاشيء  يستحق الاهتمام 

إنها مجرد نيران في سمائهم

بعض الأنين في أزقتهم 

جروح بسيطة في جسدهم الأنيق 

بضع سيارات إسعاف تجوب شوارعهم الضيقة

و … قليل من الشهداء … قليل جداً

800  فقط .. وقد يزيدون 

لدينا من الأرض ما يكفي لدفنهم 

وآلاف الجرحى والمصابين الممزقين 

سيجدون حتماً من يقلّهم لأقرب مستشفى

هناك من السُرر ما يكفي ليموتوا  كما البشر

مخجل جداً   أن تتصدقوا علينا بإلغاء حفل هنا .. وجزء من ريع حفل هناك .. 

وسأتصدق بأجنحتي للصقور الخضر وكل الرؤوس الذليلة التي تدير معركتهم على أرض مسقط .

وسأشكركم كثيراً .. كثيراً .. لأنكم  منحتمونا قرارنا المصيري .. خليجي 21 في البصرة .. وفي البصرة بالذات !!

أفٍ ثم تفٍ لكم ..

 

- أشعر بأن القضية أكبر منا بمراحل .. لسنا بذكائهم حتى نؤمن بمستقبلنا كما هم .

نحن نعيش في عقولنا الضيقة .

نموت في فكرنا المتأزم .

تقدمنا خطوة إلى الأمام .

هذه المرة .. لم تصدر فتوى بمنع الدعاء .. وأصبحنا نبتهل في صلاتنا  كما نحب !! .. نصر من الله وفتح قريب ..

حتى الكلام .. حتى الغضب .. فشلنا أن نكونه !!

بعضهم : هل يمكن أن أعيرهم سلاحي !!  

وصدقني .. سأصلي من أجلهم .. كثيراً ..

 

- مالذي يفعله أبناء الحقد  بروحنا هناك ..

يمزقون أجسادهم حتى العظم  بفسفورهم الأبيض .

يحرقون  أجسامهم .. يمزقونهم أشلاءً ..

يزدادون صلفاً ..

حين رأوا  خصمهم الضعيف ..

يدمن السكوت من تموز 2006 إلى كانون الأول 2008

وتعليماتهم : ” كن حذراً ” .. هل تعرف ماذا تعني هذه العبارة ..  كن أكثر عدوانية ..

يكفي أن تثار شكوكهم حول منزل ما ..

التعليمات تقول : أطلق صاروخاً  باتجاهه أولاً .. عززه بقذيفتين من دبابتك .. ثم  لتهدم جدرانه بجرافتك ..

ثم ألق نظرة لتتأكد من شكوكك !!

أدركت الآن أن حماس ومناظليها أصبحوا كذرات الهواء .. تنتشر في كل مسجد ومخبأ ومدرسة ومنزل وملجأ  ومبنى للأنروا  .

وفي كل روح طفل .. ونفس امرأة ..

هم ليسوا فتح  .. ليسوا حماس .. ليسوا شعبية أو جهاد ..

إنهم بشر ..

يتمنّون الحياة ..

وكانوا يحلمون .. أن يعيشوها ..

 

 

- لم أكن أسمعك يا شيخ / عماد حمتّو   كما يجب  وأنت تتحدث  ، بل كنت تعمل بكلماتك ناراً حارقة في قلبي ، لم تكن المشاهد التي تنقلها بصوتك  المتهدّج الأسيف مجرد صور متحركة يعبث الجنون بتفاصيلها . بل كانت الجحيم بعينه  يشاطركم عيشكم .

ساعتها قلت : قد لا أحدثكم مرة أخرى بعد هذه اللحظة !!

أتراك الآن تستقبل صاروخاً جديداً  يخترق جسدك ويحيل المباني فوقكم دماراً  ورماداً .

شهيد آخر نزفّه في عرسنا المهيب !!

كنت تعذبني وأنت تروي ..

كيف تتساقط جثث الشهداء في العراء ..

تبيت الأيام المتواصلة ..

وحين يمر السائرون بها ..

يحملونها بعد أن لاكتها الكلاب ..

تنهش أجسادهم الطاهرة ..

أتذكر تلك العجوز .. حين سقطت شهيدة .. لقد ضلت مكانها أياماً عديدة .. وكأنها تصمد في مماتها .. الكلاب  لم تبق منها إلا رأسها .. 

ذلك الشيخ الوقور يبكي كما النساء الثكالى يحتضن بقوة جثة ابنته الصغيرة  ويصيح في هستيريا غاضبة ينحني جانباً ليرينا ماتبقى من أسرته وفلذاته الصغار ، يمسك إحداهن ، ويكشف عن صدرها المخروق باثنتين داميتين في قلبها الصغير .

الصغار الأربعة وقد تشبثوا  بجثمان أمهم  وباتوا ليلتهم  يلتصقون بها .. مروعون .. فزعون .. خائفون .

تقصف سيارة العائلة بأكملها وهي تبحث عن رغيف الخبز .. فتتساقط الجثث .. وتتناثر الأشلاء .. ويرفع المسعفون الرغيف !!

هم كذلك الآن ..

هاربون .. من الموت .. إليه !!!

 

- ليس لدي خيبات أمل قادمة .. لأنه لايوجد لدي آمال أصلاً ..

لم يعد يغريني منظر الطاولة المستديرة .. كراسيهم المتماثلة .. شريط الأخبار المبشّر بالخلاص ..  جولات المفاوضات الخاوية .. كلمات التنديد العقيمة ..  الاعتراض الممجوج .. الاستنكار المتخاذل .. الشجب المخجل .. و الصفقات الشريفة  !!

متى تدركوا أن  القضية ليست قضية حدود .. بل قضية وجود !!

أدرك أنا الآن أن غزة ، صفقة ضخمة بضخامة الحدث .. ومهرجان للتسول .. وهلوكوست منظّم .. ومحرقة قذرة .. يتراقص العرب على إيقاعاتها .. وغداً يهللون فرحاً  بقرار الإيقاف الكاذب .. أصبحنا نتسوّل كياننا ..

واليوم ليس زمن الكلمات .. بل هو حديث البندقية ..

كفرت بكل مفردات السلام  والتعايش السلمي واقتسام الوطن .

لم أعد أؤمن إلا بأمر واحد .

أؤمن بالنهر ونحن من شرقيه .. نتربصهم بغربيه ..

 

-  ستون من الخيبات الماحقة ..

تفتّ في جسدنا الواهن ..

عشرات النكبات القاصمة ..

تغتال  حلمنا  الأثير ..

نجتمع لنختلف .. نختلف لنتحارب..

ويخون بعضنا بعضاً ..

وتبقى هي ..

تذكرنا بعارنا الطويل ..

وحالنا العليل ..

هكذا هي فلسطين ..

تعيش ليموتوا .. وتموت ليحترق ما سواها ..

 

- أرجوكم .. لا تنكؤوا الجرح بتعليقاتكم ..

خيراً منها .. امنحوهم  ..

دموعكم  .. لحزنهم

دعاءكم .. لنصرهم

دماءكم  .. لعيشهم

 

اللهم إني أسألك الشهادة .. في أرضهم

 

 

ضمن تصنيف افتتاحيات | 6 عدد التعليقات »

6 عدد التعليقات على “الهروب من الموت إلى الموت”

  1. محمد الصالح يعلق:

    أخي نديم …!

    وهل لنا غير الدعاء .. باباً نطرقه ونرجو من المولى إجابته !؟

    كلماتك في الصميم .. أخي ..

    لا فض فوق .. وتقبل الله منا دعواتنا لأخواننا هناك ..

  2. نور يعلق:

    0000000000
    00000
    000
    لم تبقي لي شيء

  3. اقصوصه يعلق:

    اووووووووووووف

    الله يرحمنا برحمته

    سائرون في طريق

    لا ندري نهايته

    لا ندري الى متى هذا العذاب

    رحماك ربي بنا !!!

  4. نديم يعلق:

    اللهم انصر الاسلام و المسلمين في فلسطين في كل زمان و مكان .

  5. عابر يعلق:

    (اسوأ المناطق في الجحيم يستحقها من في وقت الكوارث الأخلاقيـة التزموا الحيــاد )

    اخي العزيز
    حقاً أن الأرواح الطيبة والرحيمة تحس بمعاناة الآخرين … دمت بألف خير

  6. shetwi يعلق:

    جزاك الله خير

    والله اما انصر اخواننا المسلمين في فلسطين وكل مكان

أضف تعليق: