100 – ن

يكفي أن يحبك قلب واحد لكي تعيش ..
لم أكن لأكتب هذه التدوينة لولا أن من أحب أراد أن يلعب قليلاً بمشاعري وأن يدخل منطقة محظورة على كثير من أعز أصدقائي .
ليس أصعب عليك من أن يحاول شخص له مكانة عندك من أن يختبر مدى حبك له فيثير مشاعرك غير مدرك لمقدار الألم " المحبوب " الذي يمكن أن يحدثه لك .
لقد جاء الحبيب سعد ليغرس قلمه في مكان غائر في قلبي .. وتنحى جانباً .. وجلس يترقب الجرح .. ولحظات حتى جاء عبد الإله ليؤكد عمق الجرح أكثر فداس بقلمه المرهف ليزيد الألم ألماً آخر ويضاعف الوجع أوجاعاً .. برهة يسيرة فإذا بـمشاري يأتي من جديد ويحركه قليلاً ليعم الوخز سائر فؤادي .
أن اقرأ مقال : أين محمد .. ؟ يومياً حتى كاد كالأذكار على لساني فهذا ما كان يحدث لدي خجلاً بالغاً في أن يذكرك من يحبك فكيف حين يزورك ويأتي إليك .
يصيبني حياء بالغ وأنا أجدهم يكتبون ويقتطعون شيئاً من أحبارهم الثمينة ويبثون جزءاً من شعورهم نـحوي … فحين يتذكرك أصحاب قلوب كبيرة كهؤلاء فهذا يعني أنك تعني في حياتهم شيئاً ولو قليلاً … وحين أكتب لهم هذه التدوينة فهذا يعني أنهم قد تربعوا مكاناً واسعاً في قلبي لا يعلمه إلا الله …
مسكين هذا القلب .. فكلما ضمّد جرحاً أتى حبيب بجرح آخر .. فيقسو من حيث يحب .. ويثير اشتعاله من حيث أراد الهدوء والسكينة .. ويغلي كما المرجل من حيث أراد له الطمأنينة والسكون .. إلا أنها النار اللاهبة التي توقظ بقايا خلاياك الميتة التي صدأت من فتور العلاقات مع البشر فيأتي مثل من أحببت هنا ليحيل نارها جنة .. وحرّها برداً وسلاماً على فؤادي ..
وحدهم تماماً يدركون كيف تكون لغة العيون بيننا .. وحينما ينظرون إلى عينيّ تملؤها دموع الحزن لمرض والدي .. كنت أتحاشا تلك النظرات .. لأنني أدرك أنهم حين ينظرون إليها فإنما يطلّون من نافذة صادقة إلى قلبي .. وهذا ما لا أحتمله .. لأن واحدهم لا يكفيه قلب واحد لكي يحبه .. فهو أشد ما يكون إلى قلوب مجتمعة .. وجميل أن يكون لك قلب أنت صاحبه… ولكن الأجمل أن يكون لك صاحب أنت قلبه .
سعد .. عبد الإله .. مشاري
الحب الحقيقي كالعطر النادر يترك آثاره مهما طال به العهد
يمر الإنسان بابتلاء أو اختبار فيسلبه قواه ويحرمه عزيمته فلا يجد أنفع من دعاء مخلص لربه أو وقفة صادقة من محب قريب يتفطر فؤاده لمصابك أو صديق عزيز يشاطرك بعض آلامك .. وهذا ما كنت في حاجته يوم أن كنت بجانبه أرافقه في ألمه ومحنته ..
فكيف كانت محنته وكيف كان ألمي …
حينما عدت إلى البيت في مساء يوم الثلاثاء في تمام الساعة الحادية عشرة كان هناك جلبة في وسط البيت غير معهودة أحسست معها بأن شيئاً ما يحدث في الداخل ، شيْ يحيل هدوء بيتنا المعروف إلى أشبه ما يكون بمعركة صغيرة نشبت في خندق مسالم … حينما تقدمت عابراً المدخل .. رأيت منظر العائلة يسوده الارتباك وقد تجمعوا حول سريره الخشبي حيث يرقد في لياليه الماضية .. لم تكن اللحظات لتسعفني للسؤال عن حاله .. وماذا جرى في غيابي تلك الليلة .. فقد كان شعاع سيارة الإسعاف الأحمر يملأ ساحة المنزل الداخلية ويحيل هدوء أنوار الحديقة الخارجية إلى حالة استنفار قصوى .. ويُفتح الباب الخارجي .. ليهرول أخي عبدالعزيز ومن ورائه رجلان يحملان سريراً نقالاً .. بادرا بحمله عليها .. لم أشعر بنفسي إلا ممسكاً بجسده المنتفض وسيارة الإسعاف تنقلنا بسرعة إلى حيث مستشفى الشميسي .. كان جسده المتعب يرتفع فجأة وينخفض أخرى كلما ساءت استقامة الطريق وكان يحس مع كل حفرة مؤذية تعكر هدوء مسيرها بأن روحه تخرج معها ، تمنيت أن أكون حينها جسداً ليناً لتعبر تلك الإطارات المتهالكة على كل وصلة فيه وأنقله على كفّي حرير حتى لا يشعر بطول مشوارنا البائس .. يداي المرتجفتان اللتان يتصبب منهما العرق بالكاد تمسك بجسده الذي يغلي كما المرجل .. أحس بحرارته مع كل زفرة من زفراته .. كان ذكر الله يختلط بأنفاسنا اللاهثة ونـحن نـحاول أن نستدرك بقايا عمر شيخ كبير أبت كبده المتعبة إلا أن تفسد عليه أيامه القادمة . ويخرج صوت أخي المتهدج يخاطبه وكأنها كلماته الأخيرة : قل لا إله إلا الله … فلا يرد إلا بسعلة كادت تخرج ما في جوفه .. ألتفت غاضباً على أخي محاولاً أن أمحو لحظة الوداع التي يريد أن يفرضها الآن : اذكر الله .. إن شاء الله خير .. أنا أعرف تماماً أنني لا أملك من حكم الله شيء لكنها طبيعة البشر تخرجهم عن المعقول حين يريدون أن يحتفظوا بأعز ما يملكون وكأنه مخلّد لهم .
الباب الخلفي لسيارة الإسعاف يفتح .. وأنوار بوابة الطوارئ تجهر عيوننا الناعسة .. كافحنا من أجل أن نجد له سريراً داخل أروقة قسم الإنعاش .. يصيبك الجنون وأنت تقابل أطباء تبلدت أحاسيسهم وبردت أعصابهم لفرط ما يمر بهم من حالات ومصائب كل يوم وتحاول إقناعهم بخطورة الحالة التي قد يعرفونها أكثر منك .. ولا يرون في انفعالك إلا حرص الولد على والده .. والحبيب على حبيبه .
قامته المتهالكة تتمدد بفتور على سرير غرفة الإنعاش .. ونـحن من حوله .. أنا وإخوتي .. وفريق الأطباء يملؤن هواءه ضجيجاً بأسئلة متتابعة وددت أن أختصرها بكلمة واحدة : أدركوه ..
هل كان يشعر بغيبوبة مفاجأة ؟
هل كان هناك ثمة حرارة غير طبيعية في جسده ؟
ماذا بشأن عقله ، هل يدرك من حوله ؟ وأين هو ؟
لم يقطع سيل الأسئلة إلاّ سؤال أخي له : يبه تعرف من أنا ؟ كان ينظر إليه بعينين دامعتين ويقترب مع كل ثانية وكأنه يريد أن ينتزع الجواب منه انتزاعاً .. لكنه كان يقترب من تمثال بلا حراك وعينان شاخصتان تحس بالمعاناة في سوادهما .. وتلمح صمت الكفن في بياضهما ..
لحظات عصيبة كانت تقرر بقاءه في غرفة العناية المركزة .. ساعتان من الانتظار الكئيب ولم ينطق بكلمة واحدة .. أصبح جسده النحيل ممراً لأجهزتهم الطبية .. وساعده الضعيف يحمل بقايا وخز الإبر التي تتوالى عليه .. وكأن الألم لا يكفي حتى تزيد توجعه حسرة !!
الوحدة القاتلة تسيطر على قسمنا الصغير .. رف السرير الجانبي امتلأ بقوارير العقاقير الطبية .. وحركة الممرضات دخولاً وخروجاً من خلف ستار أبيض تبدو كما المعتقل .. وابتساماتهن الصفراء لا تحرك ساكناً في نفوسنا المتعبة ..
كان الليل يمر بلحظاته ثقيلاً على صدورنا .. وسكون المكان يتخلله صوت ممرضة هنا .. ومريض يتأوه هناك .. حينها أحسست بطرف الستارة المتدلي بجانب الحاجز البلاستيكي يتحرك قليلاً وكأن هناك من يحاول أن يشعرك بأنه يقف هناك .. نهضت من مكاني بتثاقل أجرّ قدمي المتورمتين ، مددت يدي إلى حيث كانت الحركة .. يد كبيرة سبقتني بفتح الستارة .. وبلا مقدمات يسألني عن والدي : كيف صحته الآن ؟ أجيب بانتباه متكلف : إن شاء الله طيب … يتقدم بخطواته وقد أخذ موافقة لاشعورية بالاقتراب منه .. وقف بجانبه وقد وضع يده على جبينه وبدأ يقرأ آيات من القرآن الكريم ويكمل بقية رقيته الشرعية .. بدأت الطمأنينة تعمّ سائر جسدي .. كيف غفلت عن أن أتلو عليه شيئاً من كلام ربي سبحانه .. أنه هول المصيبة يُلقي على عقلك غطاءً لا ترى من خلاله إلا ما يزيد مصابك !! .. صوته الغليظ يرجعني إلا وعيي من جديد وأنا أسمع سورة الفاتحة .. الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إياك نعـ .. تغير الصوت فجأة .. صوت متقطع حزين مكلوم يكمل الآيات بصعوبة .. إنه صوت والدي .. قفزت من مكاني بلا وعي .. غير مصدّق لما أرى .. أرمق بعينيّ حركة شفاهه المرتبكة وهو يتلو الآيات بثقل .. لقد نطق بعد سكوته المخيف .. لقد أزاح بصوته سحابة حزن ثقيلة غطت سماءنا .. نظرت إلى الرجل نظرة البائس الذليل إلى المحسن الجليل .. كانت كلمة الحمد لله كافية للتعبير عن امتناني له ولقراءته على والدي .. غادرنا وهو يدعو له بالشفاء العاجل .. كان هذا أبو عبد الرحمن شيخ مصري وقور اعتاد أن يأتي إلى هنا بين فينة وأخرى ليقرأ على المرضى ويدعو لهم … كما النور يداعب أخيلة الظلام حتى يجلوها مع بزوغ فجر جديد .. كان مجيء أبا عبد الرحمن إلي والدي .. وكذلك كان لحياته .. يوم جديد …
صوت المؤذن ينادي للفجر يداعب مسمعي بعد إغفاءة بسيطة ظفرت بها لحظة أن اطمأننت على والدي .. جدران المستشفى الحزينة تغريك بالصلاة خارج حدوده .. هناك ، حيث تبسط السماء رداءها اللازوردي على كتفي الأرض .. وتتهادي نسائم الصبح الندية تلامس وجنتك الفاترة .. وتداعب مخيلتك مناجاة الطيور تتقافز منتشية على أغصان شجرة تقف شامخة أمام عظمة الخالق وجمال المخلوق .. بخار الماء الحار المنبعث من كأس الشاي يخلق جواً ضبابياً يسوّل لي النوم على الكرسي حيث أجلس في بوفيه مقابل لسور المستشفى .. وأصابعي الباردة الملتفة حوله ، تحاول أن تتدارك ما تبقى من حرارته .. لم يطل استمتاعي كثيراً .. فاللحظات السعيدة تبدو سريعة في مرورها .. ولابد من العودة حيث الحبيب يغفو هُناك .. فيا هَناك ..
الكرسي البلاستيكي الأبيض بأرجله التي صنعت من الألمنيوم الفضي يقف كالحارس بجوار سرير والدي ، وكأنه كان ينتظر قدومي ويعاتبني على دقائق قضيتها بعيداً عنه .. اقتربت في خجل .. وقبّلت جبين والدي اعتذاراً له .. وجلست بجواره .. أكلأه برعايتي .. ودعاء الله أن يشفيه ..
مضت أربعة أيام منذ دخولنا إلى الطوارئ .. وحالة والدي تتقدم بشكل بطيء .. حين أحس الأطباء بتحسّن طفيف طرأ على حالته في اليوم الخامس .. فضلوا نقله إلى أحد أجنحة التنويم المخصصة في المستشفى ، وبالتحديد في القسم المخصص لمثل حالته .. لم أكن مرتاحاً لهكذا إجراء ، لكن فكرة الابتعاد عن جو غرف الإنعاش المجاورة والموبوءة بالأمراض الخبيثة كانت مقنعة للموافقة على ذلك .
أصبح السرير أكثر اتساعاً وراحة لوالدي .. وحركة الممرضات والأطباء وجلبة المراجعين أخف بكثير داخل الجناح الجديد في الدور الأرضي من المبنى حيث علّقت لوحة كتب عليها ( 100 – ن ) ، في أول غرفة إلى اليسار وعلى يمين الداخل كان مستقر عربته الأثيرة ، هكذا كنت أسمّي سريره الطبي ونـحن في طريقنا إلى هناك ، كانت محاولة عابثة مني لإضفاء شيء من الدعابة من حوله ، علّي أن أخفف عنه سآمة المرض وطول الالتصاق في مكان واحد لفترة طويلة …
التنهدات المتتالية .. والحركات المملة بين الجانب الأيمن حيناً والجانب الأيسر حيناً آخر .. هو ما كان يستطيع أن يفعله ، غير مدرك لما يجري حوله .. وجفونه المترهلة تفتح بين فينة وأخرى بشكل ضئيل .. فيستقر نظره على سقف الغرفة المستعار .. يحاصره وهج الأنوار البيضاء من فوقه ..
كان لزاماً علينا .. أنا وإخوتي أن نقوم بتقسيم ساعات اليوم بيننا .. فيتخذ كل واحد منا وقتاً محدداً ليرافقه فيه ، ويعتني به ، ويقوم بتلبية طلباته وما قد يحتاجه خلال يومه ..
كانت النوبة الليلة من نصيبي .. فيما تقاسم البقية سائر اليوم .. يتخلل ذلك الزيارة الرسمية والتي تفتح فيها الأبواب من الرابعة مساءً وحتى الثامنة ليلاً .. يصبح خلالها المستشفى أشبه بسوق مفتوح ، تتعالى فيه الأحاديث بين المرضى وعائلاتهم .. وصرخات الأطفال الذين تمكنوا من الدخول خلسة بعيداً عن أنظار رجال الأمن المتيقظين .. كانت تلك الجلبة المفتعلة فرصة ليتذكر هذا المسجى على فراشه أن ثمة دنيا في الخارج تنتظره ، فيتجدد أمله في حياة رغيدة .. وترنو نفسه لعيشة سعيدة .. وتستجمُّ روحه بعد ما عانت من المرض ما فقد معه طيب العيش أياماً .. كانت نظرات المرضى لزوارهم كنظرات غرباء جاؤوا من جزيرة أخرى أو مكان بعيد فوجدوا أنفسهم في مدينة تضج بالحديث والجديد ، فتعجبوا مندهشين مما أمامهم ، وعيونهم تكاد تلتهم – وهي تفتح على أخرها – كل ما تقع عليه علّها أن تتحرر من أفقها الضيق ومحيطها المحدود !! .. بقدر ما كانت الزيارات تبهج المرضى ومرافقيهم ، بقدر ما كانت تزعج آخرين ، وتفقدهم جو الصفاء الذي يعيشونه وسحر الهدوء الذي يعشقونه .. وبعد خروج آخر زائر من المبنى .. يعم السكون سائر الأرجاء .. وكأننا على ميعاد مع الجمود الذي يقطع سكونه عربة الطعام الحديدية بعجلاتها الصدأة التي تحدث صوتاً شبيهاً بآلة بـخارية تتنفس بعمق وقد لفظت أنفاسها الأخيرة ..
لحظات السكون تزداد عمقاً .. وتكاد تشعر بالأصوات وكأنها تحدث داخل أذنك .. صرصرة سرير قريب منك .. ورشفة ماء على ظمأ تحس بها في حلقك .. وصوت مذياع يتهادى منه نبرة منخفضة لقارئ يرتل سورة من القرآن .. وهمسات الممرضات وضحكاتهن السريعة تطل عليك من باب الغرفة المفتوح ..
كل شيء يبدو صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر ..
أعلل نفسي بهذه الكلمات وأنا اتخذ مكاني بجوار والدي ، أجلس على الكرسي السياحي الذي أعد لهكذا مناسبات ، لكنه لا يصمد حين تطول الساعات ، ويصبح ظهره الأعلى وما يلي عمودي الفقري كقطعة واحدة من طول العناق والتلاقي …
الساعات المملة التي كنت أطويها بجواره علمتني الكثير مما كنت في حاجة له .. حياتنا اللاهثة ، وأعمالنا المتتابعة ، وأشغالنا التي لا تنقضي .. أحالتنا إلى آلات صامتة تغذى بالوقود لتنتج أكثر .. فإذا أصابها العطب وتهالكت أوصالها .. استبدلت بأخت لها جديدة .. ووضعت في ركن قصي .. حيث يلفُّ الظلام جسدها .. ويطوي الزمن ذكرها … فهل تساءل أحدنا عن شعورها حين تكون هناك ؟! وهل تحس هي أو تشعر بمن حولها ؟! لكننا لا نكتفي بجمود الحياة من حولنا ، بل نـحاول عبثاً أن نـحيلها إلى حجر صلد ، فتموت جذوة الفرح فينا ، وننسى مع تراكم الغبار أن ثمة روحاً وثابةً في ذواتنا تحب أن تعيش ..
بلا رتوش مزيفة تعكر صفو تفكيري ، تراءت لرأسي العنيد مئات الصور على رف ذكرياتي معه ، وكلما قلّبت طرفي أجول في تضاريس وجهه المتسامح ، كتبت فصول من الحياة الرغيدة .. عاشها اثنان .. أب حنون .. وولد يـحن .. تمنيت وقتها لو كنت رساماً ملهماً لأبدع لوحة جميلة لمحياه الودود وأعلقها في مكان قصي بداخلي ، وأنقش من ملامحه منحوتةً أزلية لأنصب جمالها على عتبة قلبي المغرم بحبه ..
أبي .. فيه شيء من الحزن والكآبة بادية عليه مثل بيت طيني قديم ، خليط من عبق الماضي وجلال الزمن ، يلقيان في روع ناظره حزناً مألوفاً .. مسحة من الحرمان والفقد على وجهه ، وبقايا غبار ما تبقى من أسفاره وكدّه ، وبشرة قمحية هي بعض رمال نجد مشوبة ببياض اتخذت التجاعيد فيها شكلاً هندسياً أسفل وجنتيه وحول فمه ، وأنفه بيضاوي المقدمة قد حفر جانبه الأيسر بواد صغير متعرج صنعه حادث سير أليم تعرض له في شبابه ، وجبهة مكتضة بالسهول المتوازية تختبئ بين جانبيها همومه الماضية ، أما رأسه فقد اكتسى بشعرات من الأبيض الكثيف يختبئ السواد بينها كسنابل تتمايل في حقل قمح واسع ، وتحت أنفه بقايا شارب قصير رمادي اللون يعلن أن رجلاً كان يوماً حاضراً هنا ، أما أسفل صفحة وجهه فتنسدل لحيته البيضاء كشلال يبعثر قطع الجليد المتبقية من صقيع شهر تموز ، وحين تنظر إليه تلمح براءة الأطفال تتراءى لك في حدقة عينيه وترقب دمعة تسري على جدار نافذتها سرعان ما تغيب عنك حين يسدل جفنيه الناعسين كمضلة مخملية تحرس مقلتيه في يوم مطير .. خيّل إلى أنه تحفة من الجلال صنعت من العاج الموشّى بالصندل ، منقوش عبر لحظة ألم دفين ..
ذلك هو أبي .. أراه كأسطورة في أبسط صورة ..
قلبي الصامد طوال السنين صار كالماء المذاب يتخلل صدري الواهن ، أضع يدي على ما تبقى منه ، أتحسس صدى نبضه الخافت ، فقد سلبه مني ليلته تلك ، وغفى .. ليتركني أبحث بجوفي عن حطامه .. ليته لم يفعل .. كنت ليلتها أقاوم إغفاءة ماكرة تراودني عن يقظتي ، يغريني صمت المكان من حولي ، صوت رقيق هامس يتناهى إلى سمعي المثقل ….. مــحــمــد ….. فألتذّ بالحلم حين أكون سيده …. ثواني مهيبة ، فإذا بالهمس يسري من جديد ، يعلن عن نفسه بوضوح …. مــحــمــد … مــحــ …. فأتدارك ما تبقى من صداه ، أغالب جفنيّ المنسدلين ، استجمع مداركي ، فإذا به هو .. ينادي نداءه الذي قطّع به نياط قلبي إذ نطق …. مــحــمــد حــبــيــبــي …. انـهـدَّ جسمي حين سمعتها … تهت في فضائه الساحر …. ياه … يا أبوعلي … كان يكفي أن تناديني باسمي … أو .. يا ولد … أمّا أن تقتلني بـحبك … فهذا ما يـحيلني هباءً بين قدميك .. تقول حبيبي !! … وأنا المتثاقل في خدمتك … المتبرم في رعايتك … المتشاغل عن تلبية طلبك … حبيبي !! … لم أكن لأتصور أن تخرج هذه المعزوفة من رجل مسنٍّ تتحدث الصحراء بجفوتها في عمره الثمانين … حبيبي … كانت هي الكأس التي سقاني بها ليلتي هذه فسكرت بها في عالمي القدسي ونسيت من في الوجود … فأنا معه …
* * *
أشعر بأن العالم بأجمعه يغبطني ، وأن أفلاك السماحة والرحمة والشفقة تتلاشى في مدار حبي له … إنسان لطيف يفيض بدفقة حالمة على جفوني البائسة … فلا أكادأجزيه ولو بأعز دمعة جادت بها عيني … وهذا ما كان في مسائنا ذاك … تلك الليلة … كانت ليلة الغرام … بلغت الصبابة بي منتهاها .. كل النهارات والليالي لا تكفي لأخذ نصيبي منه … ليلتها .. كنت أملأ ناظري .. وأنا أرقبه باهتمام .. يغفو على مخدته القطنية .. مسحة الوداعة تحيل مرآه حريراً طاهراً .. أحسد عينيّ .. فهي الوحيدة في جسدي تتمتع به .. كلما بدت منه التفاتة … تحرك كل شريان في كياني … وإذا أشاح بوجهه نـحوي … استيقظت كل خلية عندي … حتى أرتوت مقلتيّ بسقيا عشقه دموعاً سقت جفاف وجنتيّ … لم تطل متعة ألـمي معه … حتى فتح عينيه بحركة بطيئة … يرمق بها كوب الماء يغفو إلى جواره … يستدعيه … فأفهم قصده .. أمد يدي لأحتضن مراده … انتصب كالعبد بين يديه لأسقيه .. وأنا لا أكاد أبصره من البكاء .. حينما اقتربت منه أكثر … ندّت دمعة مني .. وسقطت على ظهر يده ، كما تسقط القطرة النديّة على أوراق الورد .. قال وقد انطقته برودتها : " وش ذا .. ماء " .. فرسم بحروفه المعدودة ابتسامة مضنية على محياي .. أجبته بهمس العاشقين : هذه بعض آلامك .. يا بوعلي ..
وبت .. أنا .. وهو .. وكأسنا .. ودمعتي الغالية .. نناجي بعضنا …
* * *
الدعوات الصادقة .. والرعاية الحانية .. وزيارة الرفقاء المحبين ( سعد ، مشاري ، عبدالإله ، فارس ) وغيرهم .. ملأت وحدتي .. وآنسة غربتي .. وعجلت بشفائه بتوفيق الله .. وفي الوقت نفسه .. أفسدت خلوتي مع من أحب .. سامحهم الله .. لا يعرفون مقدار النعيم الذي كنت أحتفظ به .. عذرتهم … حين أبصرتهم حوله وقد نازعوني في أبوته .. لكنهم .. لم .. و لا .. ولن يزاحموني على حبه .. فهذا بعض عهدي له .. ولا أملك إلا الوفاء ..
هذه قصتنا .. قصة عاشقين .. بل عاشق و معشوق .. حبيب و محب .. نهر الصبابة تدفّق .. فهل يقف بتوقف بوحي هذا .. كلا …
لكنني سأسطر أصعب وأثقل كلمات في هذه المناجاة : … وحينما يموت أبي .. سأحبس كل كلماتي .. ليكتبها هو .. على صفحة قلبي ..
محمد
الساعة 3,42 ليلاً
13 / 3 / 1428 هـ










16 عدد التعليقات على “100 – ن”
24 نوفمبر, 2007 في الساعة 3:53 م
محمد
لا اعلم ان كنت مدينة للقدر لاكتشاف حروفك البكر الثائرة
ام انني ناقمه على ذات القدر لانه ساقني بفعل قوة مجهولة صوب عالمك الذي تربص بي عن اصرار وتعمد
اوجعتني حكايتك وانا لا ينقصني وجع
كنت ارى تفاصيلها رؤى العين الجرداء الدامعة
استشعر المنمنات التي تزين طرفي الصورة وتحيلها مشعة كما سقتها
حتى انني شممت رائحة الامصال
واستحضرت الوان الادوية و همس الممرضات
لقد اعدت لي الذاكرة
تلك الذاكرة التي لم تغادرني منذ زمن
حفظ الله والدك وحرسه لك من كل شر
وشفى الله كل مريض
وحفظ لي والدي وامي من كل شر وسوء
دمت حنونا باكي و عاشقا مبكي
شهرزاد
24 نوفمبر, 2007 في الساعة 3:55 م
تحية ..
/
/
ياسيدي ارفع يدي لله بأن يشفي لك من احببت … وان يشفي مرضى المسلمين ..
/
/
ولقلمك الرائع الذي نقلنا معه كأننا
زرعنا هنالك معك بغرفة أبيك وأستمعنا
لكل همسة ونبضة كل أحترامي ..
هنا كاتب ملئ بالتميز في حرفة ..
ملئ بالأحساس العالي المرهف ,,,
تقبل مروري بين أحرفك التي أبكت فينا
الأحساس قبل الأعين ..
وجــــــــــو د
24 نوفمبر, 2007 في الساعة 3:59 م
شهرزاد
عفواً ..
لم أرد أن أرهق ذاكرتك .. وأنت قريبة عهد بها ..
أعتذر لك إن كنت زدت وجعك بهكذا بوح ..
يكفي شيء من حزنك ..
ودعواتك الصادقة ..
دمت لمن تحبين .. وداموا لك ..
24 نوفمبر, 2007 في الساعة 4:00 م
وجود
وجودك هنا .. وتعليقك ..
يخفف شيئاً من المعاناة ..
أما وقد جدت علي بشيء من بكائك ..
فلا أملك إلا التأمين على دعائك ..
اللهم آمين ..
محمد
24 نوفمبر, 2007 في الساعة 4:01 م
تحيلني كلماتك رمادا..
فنار خوف الفقد..تحرقني..
هذه الأيام..
كلماتك تغرس النصل في قلب مثقل بجراحاته
يارب لطفك بنا..
24 نوفمبر, 2007 في الساعة 4:03 م
مها ..
فعلاً ربما يكون الألم الذي يتربص بنا خشية فقد الحبيب أشد لوعة من الفقد ذاته ..
إنما أعجب لأنك وجدت متسعاً من الحزن ليسكن قلباً مثقلاً بداخلك ..
4 ديسمبر, 2007 في الساعة 5:17 ص
يااااه يا أخ محمد ..
قلبت الأوجاع علينا بكلماتك الصادقة هذه .. ما شاء الله عليك مبدع بحق ولديك قدرة على الوصف .. تفوق الوصف
أسأل الله الصحة والعافية الدائمة لوالديك وجميع المسلمين ..
دمت في حفظ الله ..
5 ديسمبر, 2007 في الساعة 6:49 م
أحمد .. أهلاً بك ..
لم أرد أن تكون زيارتك الأولى بقراءة ذلك الوجع ..
لكن ما دمت اخترت ذلك ..
فسأنتظرك في المرة القادمة .. فربما تشاركني الهم أكثر ..
شكراً لشعورك ..
13 يناير, 2008 في الساعة 4:53 م
ادعو الله العلى القدير أن يشفيه ويشفى جميع مرضى المسلمين
وعليكم بالصدقة فهى دواء للمريض ومرضاة للرب
13 يناير, 2008 في الساعة 5:49 م
الفجر القادم ..
شاركتني الشعور ..
وأسعدتني بالدعاء ..
وأهديتني النصيحة ..
فجزاك الله خيراً ..
7 مارس, 2008 في الساعة 5:27 م
[...] :: 100 - ن :: [...]
16 يوليو, 2008 في الساعة 8:29 م
عزيزي ..
بأي قلم تكتب ؟ و بأي شعور صادق استطعت نقلنا إلى عالمكـ ؟
ألم تلحظني في زوايا تلكـ الغرفة الخالية من كل شئ إلا ( الحب و الألم ) و هما ضدان دوماً يجتمعان ..
تنحت الألم بأحرف نازفة .. و تنثر الأمل بيراع بارع ..
زيارتي الأولى .. و ستجد روحي ترفرف في سماء مدونتكـ دائماً ..
أخوكـ .. أنس ..
27 يوليو, 2008 في الساعة 8:10 ص
ابحرت .. وهمت على سحابات معانيك الصادقه .. إبداع هب كنسبه
حملتني كما حملت غيري فوق موج راقص من السطور .. ماشاءلله تمتلك أسلوب مميز حقا..موقف مفتون بجمال قلبين قلما يحتويهما الوجود ومناجاة تصرخ لتمزق وجه الفتور
اختك فرح
29 ديسمبر, 2008 في الساعة 10:28 م
أعجب لدنيا
كيف نعيش أحداثها في نفس السياق
كيف كنت مع والدك وكيف كنتُ مع خالتي نسطر الألم ذاته ونحفر الحب في قلوب همها أن ترد الجميل
أنني أعجب ويحق لي ذلك
قد كنت أبحر في هذه الشبكة أبحث عن الإبداع
واجهتني بعض المصاعب تملكني اليأس
ها أنت ذا أيها المبدع تمطر جفاف أرضي
برقي قلمك
أنت تشبه شخص أقرأ له منذ زمن
كلماتك تشبهه ، حروفك ترسمه ، حتى أنين جرحك ، يلامسه
لا أعلم لما أشعر بالحنين لهذه الكلمات
لما تعتليني ذات الحاله
من دمع وشوق دفين
أشكر قلمك النابض بصدق
وأنتظر منك المزيد
تحياتي لك
نور
6 ديسمبر, 2009 في الساعة 5:08 م
لم يشأ قلمي الخرووج قبل أن أسطر لك
بعض من أحرف الثناء لك هنــا
قد أيقضت فينا مشاعر غطى عليها غبار الزمان
وتراكم عليها تعب الأيام
دون وعي أو شعوور بمعنى الأبوه الحانيــه
والأحاسيس الرائعه
خاصه عندما تكون لله ولله فقط
حينها تخرج دمعه
مقصر بحق والديــه ممتنه لك عما لقيته هنا ..!
جميل بأن نشعر من غفلوا عن والديهم بهذه المشاعر
حتى يغتنموا مابقي من عمر والديهم لينعموا بجانبهم من نعيم
وإنشراح صدر ودنيا تزين برفقتهم
.
.
.
كلمات الشكر قد لاتفي بما يجول بخاطري
لكن قد تفي دعواتي لك بطوال عمر والديك
وأن يحشرك الله معهم بجنــاته
أ
6 ديسمبر, 2009 في الساعة 5:09 م
بقي أن أقوول لك
دمت مبدعا هنا
ترقب زيارتي هنا بين حين وأخر
دام هذا النزف …………..